عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
96
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
هاهنا فكيف نصنع ؟ فقال ثلاثة من قراء القرآن : نرمي إليه ثلاثة أسهم فإن رجع وإلا رجعنا فرمى واحد منهم سهما وقال : اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [ الحديد : 17 ] فصاح الفضيل وقال : قد أصابني سهم فجعل الغلام يطلب السهم في بطنه فلم يجده فقال له أصابني سهم اللّه . ثم رمى الثاني سهما وقرأ قوله تعالى : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) [ الذاريات : 50 ] فصاح الفضيل وقال : يا غلام أصابني سهم اللّه . ثم رمى الثالث سهما وقرأ قوله تعالى : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 54 ) [ الزمر : 54 ] فصاح صيحة عظيمة وقال لغلامه ورفقائه : ارجعوا فإني نادم قد دخل خوف اللّه في قلبي ، فتوجه إلى مكة شرفها اللّه فرآه الرشيد فقال : يا فضيل رأيت في المنام قائلا يقول : ألا إن الفضيل قد خاف ربه واختار خدمته فبكى الفضيل وقال : يا رب أيخيب عبد كان هاربا منذ أربعين سنة انتهى . مات الفضيل رضي اللّه عنه بمكة سنة سبع وثمانين ومائة وقبره بمكة ظاهر يزار . قال مؤلفه رحمه اللّه : وزرته ليلا ونهارا والحمد للّه سنة أربع وثمانين وثمانمائة انتهى . ( فائدة ) قال يحيى بن معاذ الرازي رضي اللّه عنه : ما من مؤمن يعمل حسنة وسيئة ويرجو قبول حسنته ويخاف المطالبة بسيئته إلا كانت السيئة بين الرجاء والخوف كثعلب بن أسدين . ( مسألة ) قال الغزالي رحمه اللّه : لو قال قائل أيما أفضل الخوف أو الرجاء فهو سؤال فاسد كقول القائل : هل الخبز أفضل أم الماء ؟ ( فالجواب ) الخبز للجيعان أفضل والماء للعطشان أفضل فإن اجتمع الجوع والعطش فضلنا الأغلب فيهما فإن تساويا تساويا في الفضيلة ، وهذا الخلاف يأتي في الخوف والرجاء ، فإن كان الأغلب على العبد الأمن فالخوف أفضل أو اليأس من رحمة اللّه والعياذ باللّه فالرجاء أفضل . وقال صالح بن عبد الكريم : الخوف والرجاء لهما نوران فقيل أيهما أنور ؟ فقال الرجاء فبلغ ذلك أبا سليمان الداراني فقال : واعجباه الخوف يتشعب منه الصوم والصلاة والأعمال الصالحة فكتب إليه الخوف راجع إلى سوء الأدب والرجاء راجع إلى كرم المولى ، قال النووي رحمه اللّه : أحاديث الرجاء أكثر من أحاديث الخوف . وقال الفضيل رضي اللّه عنه : المحبة أفضل من الخوف ألا ترى لو كان لك عبدان أحدهما يحبك والآخر يخاف منك فالذي يحبك ينصحك دائما والذي يخاف منك لا ينصحك إلا في حضرتك . وأرسل اللّه ملكا إلى سليمان عليه السلام فقال : إن اللّه تعالى يقرئك السلام ويقول لك اسأله حاجة فقال حاجتي أن يجعل قلبي يحبه ويخشاه فقال : وعزتي وجلالي لأهبن له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده . ( موعظة ) قال سفيان الثوري رضي اللّه عنه : قال اللّه تعالى لجبريل عليه السلام : ادن فدنا ثم انتفض ثم قال ادن فدنا ثم انتفض ثم قال ادن مني فدنا ثم انتفض ثم قال : ألم آتمنك ألم أرسلك فقال تعالى ألم أكرمك ألم أرسلك ؟ قال بلى ولكن وعزتك لا آمن مكرك فقال كذلك كن . ورأى النبي صلى اللّه عليه وسلّم جبريل متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول : إلهي إلهي لا تغير اسمي ولا تبدل جسمي فإن الفراق بعد الوصال شديد والهجران بعد القرب أليم .